انتشار الإسلام في إفريقيا

الرحمة المهداة | مشروع حفظ القرآن الكريم

إفريقيا 2- بقلم: فاطمة العشماوي

عرفَ أهلُ الجزيرةِ العربيةِ قديمًا الأفارقةَ عن طريقِ العَلاقاتِ الاقتصاديةِ والتجاريةِ بينهم وبين شرقِ إفريقيا، فيما كانَ يُسمَّى بـ “ساحلِ الزِّنْجِ”. والتجارةُ هنا لم تَكُنْ تجارةَ العبيدِ كما يَحلو للمُستشرقينَ أنْ يُصَوِّروها، وإنما كانتْ تجارةَ العاجِ والذهبِ وغيرِها. كانتْ للحبشةِ ارتباطاتٌ وثيقةٌ باليمنِ جَنوبيّ الجزيرةِ العربيةِ، بل إنَّ الحبشةَ كانتْ تحكُمُ اليمنَ قبلَ مَوْلِدِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم. وكانَ لزِنْجِبارَ على الساحلِ الشرقيِّ من القارةِ ارتباطاتٌ تاريخيةٌ بسلطنةِ عُمانَ قبلَ انتشارِ الإسلامِ في كِلَيْهِما. وأطلقَ العربُ اسمَ “أرض السودان” (نسبةً إلى سوادِ بشرةِ أهلِها) على بلادِ جنوبِ الصحراءِ الكُبْرَى والنوبةِ، وقسَّموها إلى السودانِ الشرقيِّ والسودانِ الغربيّ.

كانتْ إفريقيا أَوَّلَ أرضٍ دخلَها الإسلامُ بعدَ مكَّةَ المكرمةِ؛ فعندما ازدادَ ظلمُ واضطهادُ مُشْرِكي قُرَيْشٍ للمؤمنين،
قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأصحابِه: “لَوْ خَرَجْتُمْ إلى الْحَبَشَةِ؛ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لاَ يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ”. فهاجرَ إليها نَفَرٌ مِنَ المسلمين في رجبٍ مِن العامِ الخامسِ مِنَ البَعثةِ، وكانَ فيهِم عُثْمانُ بنُ عَفّانَ وزَوْجُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وجعفرُ بنُ أبي طالِبٍ. وهكذا عرفَ الإفريقيّونَ الإسلامَ قبلَ هجرةِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابِه إلى المدينةِ المُنَوَّرَةِ.

وبعدَ أنْ دانَتِ الجزيرةُ العربيةُ كُلُّها بالإسلامِ، واستقرَّتِ الدولةُ بعدَ حروبِ الرِّدَّةِ، وبعدَ فتحِ الشامِ والعِراقِ، كانَ فتحُ مِصْرَ على يَدِ عَمْرِو بنِ العاص في عهدِ الخليفةِ الثاني عُمَرَ بنِ الخطّابِ سنةَ 20ه (641م). ثم استمرَّتِ الفتوحاتُ في الشمالِ الإفريقيِّ حتى وصلَ المسلمون إلى ساحلِ المحيطِ الأطلسيّ.

دخلَ الإسلامُ إلى إفريقيا عبرَ ثلاثةِ محاوِرَ؛ أوَّلُها عن طريقِ سواحلِ البحرِ الأحمرِ من شبهِ الجزيرةِ العربيةِ إلى السواحلِ المُقابلةِ لها في إفريقيا مِن خلالِ التجارةِ البحريةِ، واستقرارِ عددٍ مِنَ التُّجارِ هناك. وثانيها عن طريقِ جنوبِ مِصْرَ، بعدَ انتشارِ الإسلامِ فيها، وهي ما تُعْرَفُ ببلادِ النّوبةِ والسودان. وثالثُها عن طريقِ دخولِ بلادِ شمالِ إفريقيا كلَّها في الإسلامِ؛ فمِن بلادِ المغربِ العربيِّ انتشرَ الإسلامُ إلى دُوَلِ إفريقيا الوُسْطَى والغربيةِ، وفي القرنِ الخامسِ الهجريِّ نشرَتْ دولةُ المُرابِطينَ الإسلامَ في باقي أنحاءِ القارَّةِ.

‏أسهَمَ وصولُ التجارِ المسلمين إلى القارةِ الإفريقيةِ بهدفِ التجارةِ (وليس التبشيرُ) في نشرِ الدعوةِ الإسلاميةِ؛ فقد تنقَّلَ هؤلاءِ التُّجارُ مِنَ العربِ والبَرْبَرِ في قوافِلَ عبرَ الصحراءِ مِن شمالِ القارةِ وُصولًا إلى جنوبِها. وتُعْتَبَرُ هذه القوافِلُ الجِسْرَ الذي انتقلَتْ عبْرَهُ الثقافةُ والحضارةُ الإسلاميةُ والعربيةُ إلى جنوبِ الصحراءِ.

أمّا الطُّرُقُ الصوفِيَّةُ قَديمًا، وقبلَ دخولِ البِدَعِ التي تشوبُها اليَوْمَ، فقد لَعِبَتْ دَوْرًا مُهِمًّا في نشرِ الإسلامِ. ومِن إنجازاتِ الصوفيَّةِ أنَّ الإسلامَ تحوَّلَ على يديها مِن حالاتٍ فرديَّةٍ إلى جماعيةٍ، فقد أنشأوا “الكتاتيبَ” وأقنعوا الأهاليَ بإرسالِ أولادِهِم مِنَ الجِنْسَيْنِ إلى هذه المدارسِ الصغيرةِ، التي يتعلَّمُ فيها الأطفالُ القرآنَ، ثم يتلَقوا الدروسَ العِلْمِيَّةَ في الشريعةِ واللغةِ العربيةِ ليستطيعوا إرشادَ الناسِ في أُمورِ دينِهِم.

 لم يَعْتَنِقْ غالبيةُ الشعوبِ الإفريقيةِ للإسلامِ عن طريقِ حَمْلَةٍ عسكريَّةٍ لِيُؤَرَّخَ له بسقوطِ مملكةٍ ما أو دولةٍ ما، أو بنصرٍ لجَيْشِ المسلمينِ في واقِعَةٍ بِعَيْنِها، إنَّما انتشرَ الإسلامُ في تلك المناطقِ بفِعْلِ احتكاكِ التجارِ المسلمينَ بسُكّانِها حيثُ تأثَّروا بأخلاقِهِم النابِعَةِ مِن دينِهِمُ الإسلاميِّ فاعتَنَقوهُ ثم نَشَروهُ، وبِجهودِ القادِمين مِن شمالِ إفريقيا، وبِتأثيرِ أَوائلِ الأفارِقَةِ المُعتنقينَ للإسلامِ على المُجتمعِ المُحيطِ بهِم، ليَستلِموا رايةَ نشرِ الدينِ بعدَ ذلك.

كانَ للبلادِ الإفريقيةِ المُجاوِرَةِ للشمالِ الإفريقيِّ المُسْلِمِ حَظٌّ وافِرٌ مِنَ الثقافةِ الإسلاميةِ وتَوافُرِ المُعلِّمينَ للُّغَةِ العربيةِ، ومِن تَشييدِ المساجِدِ والمدارسِ. كما سَهَّلَ القُرْبُ الجغرافيّ لدُوَلٍ مثلِ مالي ونيجيريا وتشاد مِنَ الشمالِ الإفريقيِّ مِن زيادةِ رحلاتِ العِلْمِ مِن مُواطِني تلكَ الدولِ إلى أعْرَقِ الجامعاتِ في شمالِ إفريقيا، مثل القَرَويين في تونس والأزهرِ في مِصْرَ. وقامتْ دولٌ وممالكٌ إسلاميةٌ ازدهرَ فيها العِلمُ والثقافةُ والرخاءُ، إلى أنْ دخلَها المستعمرُ الغربيُّ الطامعُ في ثَرَواتِها الطبيعيةِ فدمَّرَ القارةَ واستعبدَ سُكّانَها ووَصَمَهُم بالجهلِ والغباءِ، ونشرَ بينهمُ الأمراضَ والآفاتِ.

فما هي أشهرُ وأهمُّ الممالِكِ الإسلاميةِ التي قامتْ في إفريقيا؟

للحديثِ بقيَّةٌ….

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ary
ar ary