فاطمة بنت سعد الخير الأندلسي

الرحمة المهداة | مشروع حفظ القرآن الكريم

عالمات ملهمات- بقلم: زينب مصطفى

كنهرٍ مُتدفِّقٍ بالخصبِ.. انسابَ عطاءُ الأمةِ الإسلاميةِ فأمدَّت الحضارةَ الإنسانيةَ بالعديدِ مِنَ العُلماءِ والعالِماتِ، كانَ لكُلٍّ منهُم مَيْدانُ عطائهِ ونبوغهِ المُتَمَيِّز.. ومِن ثَمَّ أثمرَ ذلك حضارةً إسلاميةً إنسانيةً عظيمةً، سبقتْ – دَهْرًا – في مختلَفِ ميادينِ العلومِ والفنونِ والآدابِ، حينَ كانتْ أُمَمٌ أُخْرَى تغرقُ في الظُّلُماتِ، بينما أمريكا في عالَمِ الغَيْبِ.

عالِمَتُنا اليَوْمَ، فاطمةُ بنتُ سعدِ الخَيْرِ الأندلسيِّ، تَمَيَّزَتْ فَوْقَ نُبوغِها العِلْمِيِّ برحلاتِها الطويلةِ في طَلَبِ العِلْمِ ونَشْرِه.

بَيْن ولادتِها في الصينِ عامَ 522ه/1128م حتى وفاتِها في القاهرةِ عامَ 600ه/1203م، الكَثيرُ مِنَ الدروسِ المُلهِمَةِ… فلْنتعرَّفْ عليها عن كَثَبٍ.

هِيَ العالِمَةُ الجليلةُ المُحدِّثَةُ (أي المُتخصِّصَة في علومِ الحديثِ الشريفِ) فاطمةُ بنتُ سعدِ الخَيْرِ بنِ مُحَمَّدٍ بنِ سَهْلٍ الأنصاريِّ الأندلسيِّ. قال الإمامُ الذهبيُّ، في كتابِهِ سِيَر أعلامِ النُّبَلاءِ، عن والِدِها: “هُوَ الإمامُ الفقيهُ المُحَدِّثُ المُتْقِنُ التاجرُ، سعدُ الخَيْرِ بنُ محمدٍ بنِ سهلٍ الأنصاريُّ الأندلسيُّ الصينيُّ، رحلَ مِن مَوْطِنِهِ في بَلِنْسِيَة في الأندلسِ إلى مشارِقِ الأرضِ ومغاربِها حتى وصلَ إلى الصينِ، سابقًا كُلٍّ مِن ماركو بولو (724ه/1324م) وابنِ بطوطةَ (779ه/1377م)”، لذا أُضيفَ إلى اسمِهِ لقبُ الصينيّ.

كما أشادَ الإمامُ أبو الفَرَجِ بنُ الجَوْزِيِّ بعِلْمِ أستاذِه سعدِ الخَيْرِ، وهِمَّتِهِ العاليةِ في طَلَبِ العِلْمِ فقالَ:” سافرَ سعدُ الخيرِ، ورَكِبَ البِحارَ وقاسَى الشدائدَ.. تَفَقَّهَ في بغدادَ على أبي حامدٍ الغزّالِيِّ، وسَمِعَ الحديثَ، وقرأَ الأدبَ على أبي زكريا التَّبْريزيّ. كانَ كَثيرَ المالِ ذا ثراءٍ وصلاحٍ، وحصَّلَ كُتُبًا نَفيسَةً.. قرأتُ عليه الكَثيرَ مِنها. وكان ثِقَةً، رَوَى عنهُ الحافِظُ ابنُ عَساكِر، وابنُ السمعانيّ.

في هذه البيئةِ العِلميةِ الزاخِرَةِ بالعِلْمِ والتِّرْحالِ، نشأَتْ فاطِمَةُ، وكان والِدُها هُو معلِّمَها الأوَّلَ الذي تَلَقَّتْ منهُ العلومَ التي حصَّلَها في حياتِه.

صاغَتْ هذه العلومُ روحَ ونفسَ فاطمةَ وأَوْرَثَتْها الرغبةَ في تحصيلِ المَزيدِ من العلومِ، ولسانُ حالِها يَقولُ: “وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا”.

بدأتْ فاطمةُ بنتُ سعدِ الخَيْرِ رحلاتِها في طلبِ العِلمِ بالرحيلِ إلى البَحْرَيْنِ، حيثُ المُحدِّثَةُ فاطمةُ بنتُ عبدِ اللهِ الجوزدانيةُ، فدرستْ عليها “المُعْجَمَ الكَبيرَ” للإمامِ الطَّبَرانِيِّ، وهو أحدُ أهمِّ كُتُبِ الحَديثِ.

واصلَتْ فاطمةُ رَحلاتِها في طلبِ العلمِ.. فرحلتْ إلى بغدادَ، وتلقَّتْ علومَ الحديثِ على كِبارِ علمائها أمثالِ عليّ هبةُ اللهِ بنُ الحُصَيْن، وزاهر بنُ طاهر، وأبي غالِبٍ بنُ البَنّاء.

تزوجتْ فاطمةُ العالِمَ الواعِظَ زَيْنَ الدينِ بنَ نجية وأقاما في دِمَشْقَ. ذكرَ الإمامُ الذهبيُّ في “سِيَرِ أعلامِ النبلاءِ” أنَّ فاطمةَ عاشتْ في عِزٍّ وجاهٍ، إلّا أنَّها كانتْ وَفِيَّةً لطلبِ العلمِ والعَمَلِ بِهِ ونَشْرِه. شَهِدَتْ مساجِدُ دِمَشْقَ حلقاتِ فاطمةَ الدراسيةَ للعديدِ من طُلّابِ علومِ الحديثِ الشَّريفِ، وتَفَقَّهَ على يَدَيْها كَثيرٌ مِن العُلماءِ الذين صاروا من كِبارِ المُحَدِّثين، وكانوا يَفْخَرونَ أنَّ لهم مِنها إجازَةً (أي أنَّها أجازَتْ لهم تعليمَ ما قد تَلَقَّوْهُ مِنها مِن عِلْمٍ).

كانت القاهرةُ هِيَ المُستقّرَّ الأخيرَ لفاطمةَ بنتِ سعدٍ، حيثُ واصلَت التدريسَ وتَخريجَ أجيالٍ مِنَ العُلَماءِ والمُحدِّثين.. قالَ الإمامُ المُنْذِرِيُّ مُؤَلِّفُ كِتابَي “التَّرْغيبِ والتَّرْهيبِ” و”مُخْتَصَرِ صَحيحِ مُسْلِم” أنَّ شيوخَهُ الذينَ تعلَّمَ منهم، كانتْ شَيْخَتُهُم فاطمةَ بنتَ سعدِ الخيرِ.. وأضافَ أنَّ لَهُم مِنها إجازةً.. فلم يَكُن الإمامُ المنذريُّ فقط مِن طُلّابِ عِلْمِها، بل شُيوخه كذلك.

انتهتْ رحلةُ فاطمةَ بنتَ سعدِ الخيرِ بوَفاتِها في القاهرةِ سنةَ 600ه/1203م، بعدَ أنْ أمضَتْ 78 عامًا مِنَ التَّعَلُّمِ والتَّعليمِ، فكانتْ بمثابَةِ الجامعةِ التي خَرَّجَتْ أجيالاً مِنَ العُلَماءِ.

ما زالت المعاني التي عمرتْ وأَثْرَتْ حياةَ فاطمةَ بنتِ سعدِ الخَيْرِ، تُلْهِمُنا جميلَ المعاني.. فتُظْهِر أثَرَ البيئةِ الصالحةِ في إعدادِ الإنسانِ الناجحِ. وما زالتْ فاطمةُ تُعَلِّمُنا وتَدْعونا إلى الإصرارِ على التألُّقِ العِلْمِيِّ والتَّعَمُّقِ فيما يتخصَّصُ فيهِ طالِبُ العِلْمِ. كما تُلْهِمُنا أنْ يَعِيَ الإنسانُ ظروفَ عصرِهِ ويُلِمَّ بثقافتِهِ، فلا تَنْتَهي علاقَتُهُ بطلبِ العِلْمِ بالحصولِ على مُؤَهِّلٍ دراسيٍّ، بل أنْ يَكونَ معنَى العلمِ وأخلاقُ العلمِ هادِيًا للمجتمعاتِ ورُقِيِّها.

ولعلَّ مِن أجملِ ما تُلْهِمُنا سيرتُها هُوَ الرحلةَ في طَلَبِ العِلْمِ.. مع مُلاحظةِ أنَّ للرحلاتِ العلميةِ اليَوْمَ معنًى أوسَعَ وأشملَ.. لا يستدعي بالضرورةِ السفرَ بقدرِ ما يوحي بالتِّرْحالِ إلى ينابيعِ العلمِ ومصادِرِهِ العديدةِ التي أتاحَتْها التقنياتُ الحديثةُ من لقاءِ فكرِ العلماءِ والارتواءِ مِن عطائهِم بِلَمْسَةِ إصْبَعٍ على مفاتيحِ الحاسوبِ.. فتُفْتَح آفاقٌ للمعرفةِ عديدةٌ.

… ويَظَلُّ للكتابِ سِحْرُهُ وسُلْطانُهُ الأثيرُ.