نسائم من فتح مكة

الرحمة المهداة | مشروع حفظ القرآن الكريم

بقلم: زينب مصطفى

فَتْحُ مَكَّةَ هو يَومُ الفتحِ الأعظمِ؛ يَدخُلُ المسلمون إلى مكةَ مِن جِهاتِها الأربعةِ، في العشرينَ مِن رمضانَ سنةَ 8 مِنَ الهجرةِ، مُكَلَّلونَ بالنصرِ، تَلْهَجُ ألسنتُهُم بالثناءِ والحمدِ لِواهِبِ النصرِ والتوفيقِ.

في مشهدٍ مَهيبٍ يَدخلُ الرسولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على ناقتِهِ خافِضًا رأسَهُ خُشوعًا وتَواضُعًا للهِ، حتى لَـتَكادُ لِحْيَتُهُ تَمَسُّ ظهرَ راحِلَتِهِ، فيَأتي مشهدُ دُخولِ الفاتحِ المُنتصرِ مُعلِّمًا وهاديًا أن لا فَخْرَ ولا خُيَلاءَ. تالِيًا سورةَ الفتحِ امتنانًا لِفَضْلِ اللهِ عليهِ.

في يَوْمِ الفتحِ، يُؤَكِّدُ الرسولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على الكَثيرِ مِنَ القِيَمِ الإسلاميةِ الإنسانيةِ العظيمةِ، حينَ يُعيدُ مِفْتاحَ الكعبةِ لعُثمانَ بْنِ طَلْحَةَ، قائلاً: “اليَوْمَ برٌّ ووَفاءٌ”. ويُطَمْئِنُ أهلَ مكةَ مِمَّنْ ناصَبوهُ العداءَ بالعَفْوِ “اذهبوا فأنتُمُ الطُلَقاءُ”. “اليَوْمَ يَوْمُ المَرْحَمَةِ، اليَوْمَ يَوْمُ أعَزَّ اللهُ فيهِ قُرَيْشًا”. “اليَوْمَ يَوْمُ تُصانُ فيهِ الحُرُماتُ”. فيَدخلُ الناسُ في دينِ اللهِ أفواجًا، لِيَبدأَ عهدٌ لهُ ملامحُ جَديدةٌ، استدعَى أنْ يَخطبَ الرسولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خطبةً تُبَيِّنُ شَرَفَ مكةَ ومَكانَتَها، فَضْلاً عن غَيْرِ ذلكَ مِنَ التعاليمِ.

جاءَ في الخُطْبَةِ: “اللهُ حَرَّمَ مَكَّةَ، ولم تَحِلَّ لأحَدٍ قَبلي ولا لأحَدٍ بَعدي، وإنَّما حَلَّتْ لي ساعَةً مِن نَهارٍ، لا يُخْتَـلَى خَلاها، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُنَـفَّـرُ صَيْدُها، ولا يُلْتَـقَطُ لُقْطَتُها إلّا لمُعَـرِّفٍ.”.

(ومعنَى قَوْلِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: لا يُخْتَلَى خَلاها أي لا يُقْطَعُ نَباتُها ولا يُؤْخَذُ منهُ شَيْءٌ إلّا إذا يَبُسَ. والخَلا هُوَ الرَّطْبُ مِنَ الكَلأِ أوِ العُشْبِ. ومعنَى ولا يُعْضَدُ شَجَرُها أي لا يُقْطَعُ. ومعنَى لا يُنَفَّرُ صَيْدُها أي لا يُخَوَّفُ طَيْرُها أو حَيَوانُها ويُبْعَدُ عن مَكانِهِ. ولا يُلْتَقَطُ لُقْطَتُها إلّا لِمُعَرِّفٍ أي لِمَن يُعْلِنُ عنها ليَعْرِفَها صاحِبُها)

أدهشني أنهُ في مَوْقِفٍ شَديدِ الأهميةِ، يومِ الفتحِ الأعظمِ، والرسولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُبَيِّنُ للمسلمينَ حُدودَ الحَرَمِ المَكِّيِّ، يُوَضِّحُ حُرْمَةَ قَطْعِ عُشْبِها، وعَدَمَ تَنْفيرِ صَيْدِها. قالَ عِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: “تَدْرونَ ما يُنَفِّرُ صَيْدَها؟” وأجابَ: “أنْ تُنَحّي الطَّيْرَ مِنَ الظِّلِّ وتَجْلِسَ مَكانَهُ”.

أيُّ جمالٍ راقٍ، وأيُّ نَسائمَ نَدِيَّةٍ نَسْتَرْوِحُها مِن فَتْحِ مَكَّةَ؟

إنَّهُ الإسلامُ الجَميلُ الذي اكْتَمَلَتِ العَظَمَةُ والرَّحْمَةُ في معانيهِ، فشملَتْ مَخلوقاتِ اللهِ جميعًا مِن إنسانٍ ونَباتٍ وطَيْرٍ، لا زالَ يوصي بِهِ الحبيبُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في يَوْمِ الفتحِ الأعظَمِ.

اللَّهُمَّ افْتَحْ على القُلوبِ بِنَسائمِ الفَهْمِ عنِ اللهِ تَعالَى، ورَسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.