نصر في رمضان

الرحمة المهداة | مشروع حفظ القرآن الكريم

بقلم: زينب مصطفى

امتازَ شهرُ رمضانَ المُباركُ بالانتصاراتِ الرائعةِ، بَدْءًا بانتصارِ إرادةِ الصائمِ بِتَغييرِ ما أَلِفَتْهُ نفسُهُ، وإتمامِ عبادةٍ عظيمةِ الأجرِ، إلى سائرِ الانتصاراتِ الخالدةِ في بَدْرٍ، وفَتْحِ مَكَّةَ، وفتحِ أجزاءٍ مِنَ العِراقِ، وفتحِ النوبةِ في مِصْرَ، وفتحِ الهندِ والسِّنْدِ، وغيرِها مِنَ الانتصاراتِ العظيمةِ.

غَـيْرَ أنَّ فتحَ الأندلُسِ يُعتبَرُ بمثابةِ منجمٍ شَديدِ الثراءِ بالدروسِ والمعاني المُعَلِّمَةِ.

تُحَدِّدُ الرواياتُ التاريخيةُ أنَّ المَوْقِعَةَ الحاسِمَةَ التي فُتِحَتْ على إثْرِها أبوابُ الأندلسِ، كانتْ في 28 رمضانَ سنةَ 92 هجرية/ 711 ميلادية. وفي خِلالِ عامَيْنِ امْتَدَّ الفتحُ الحامِلُ لرِسالةِ الهُدَى، ليَشملَ جميعَ أنحاءِ جَزيرةِ أيبريا ويَشملُ أجزاءً مِنَ البُرتغالِ وفرنسا.

على مَدَى عُقودٍ مضَى الفاتِحُ المسلمُ يُتَرْجِمُ رِسالَتَهُ قِيَمًا، وعِلْمًا وعَطاءً، ويُرْسي بِقِيَمِ عقيدتِهِ حضارةً أنارَتِ العالَمَ في عُصورِهِ الوُسْطَى التي افْتَقَدَتِ النورَ.

استقرَّ الفتحُ الإسلاميُّ في الأندلسِ، لكنَّهُ مضَى لِنَشْرِ رِسالَتِهِ الهادِيَةِ، فامتدَّ إلى ما وراءَ جبالِ ألْبِرت – التي تَفصلُ أسبانيا عن فرنسا. وتَوالَتْ مَوْجاتُ الفتحِ لِتَصِلَ إلى بِلادِ الغالِ (فرنسا). وفي مدينةِ تولوز، استُشْهِدَ القائدُ “السَّمْحُ بْنُ مالِكٍ الخولانيُّ” يَوْمَ عَرَفَةَ من سنةِ 102هجرية، تارِكًا قاعِدَةً إسلاميةً في “أربونةَ”.

وتَتَوالَى المعاركُ..

ولكن معركةَ “بَلاطِ الشُّهَداءِ“، كانتْ معركةً خطيرةَ الأَثَرِ كَثيرةَ التفاصيلِ، استأنَفَ فيها المسلمونَ فُتوحاتِهِم في فرنسا بقيادةِ البطلِ “عبدِ الرحمنِ الغافِقِيِّ”. امتدَّتِ المَوْقِعَةُ مِن أواخِرِ شعبانَ إلى أوائلِ رمضانَ عامَ 114ه/ أكتوبر- نوفمبر 732م.

وتَحتاجُ هذه المَوْقِعَةُ كَثيرًا مِنَ التَّأَمُّلِ لِدُروسِها.

في شهورٍ قليلةٍ اجتاحَ القائدُ عبدُ الرحمنِ الغافِقِيُّ نِصْفَ فرنسا الجنوبيَّ كُلَّهُ مِنَ الغَرْبِ إلى الشرقِ، مُبْتَعِدًا عن قُرْطُبَةَ 900 ميلاً. انْهالَتِ الغَنائِمُ على جَـيْشِ المسلمين في طريقِ نصرِهِ حتى باتَ حَمْلُها يُمَثِّلُ عِبْئًا عليه.

في سهلِ بُواتيه (Poiters) وعلى أطلالِ قصرِ خندقِ المَلِكِ، أقامَ الغافِقِيُّ مُعَسْكَرَهُ على مَقْرُبَةٍ مِن مدينةِ تور التي تَقْتَرِبُ ثلاثينَ ميلاً مِن باريسَ. وتَستمرُّ المعركةُ سِجالاً بَيْنَ المسلمينَ والفِرِنْج بقيادةِ شارل مارتل، المُقاتِلِ الشَّرِس. اسْتَبْسَلَ المسلمونَ في قِتالِهِم واسْتُشْهِدَ الكَثيرُ منهم، حتى عُرِفَتِ المَوقعةُ “ببلاطِ الشهداءِ”.

ما أثارَ انْتِباهي في هذه المَوقعةِ هوَ نَصيحةُ شارل مارتل لمُحارِبيهِ، عِندما شَكَوا إليهِ قُوَّةَ المسلمينَ وإقدامِهِم رغمَ قِلَّةِ عَدَدِهِم، فقالَ:” الرَّأْيُ عِندي أنْ لا تَعترِضوهُم فإنَّهُم كالسَّيْلِ يَحْمِلُ ما أمامَه، وهُم في إقبالِ أمرِهِم، ولهُم نِيّاتٌ تُغْني عن حصانَةِ الدُّروعِ، وقُلوبٌ تُغْني عن كَثْرَةِ العَدَدِ. ولكنْ أَمْهِلوهُم حتَّى تَمْتَلِئَ أَيْديهِم بالغَنائمِ، ويَتَّخِذوا المَساكِنَ ويَتَنافَسوا في الرِّئاسَةِ، ويَسْتَعينَ بَعْضُهُم على بَعْضٍ، فحينَئِذٍ تَتَمَكَّنونَ مِنْهُم بِأَيْسَرِ الأُمورِ”.

رغمَ أنَّ الحربَ كانتْ سِجالاً، وأبْلَى المسلمونَ فيها بَلاءً حَسَنًا، إلّا أنَّ الرواياتِ التاريخيةِ تَذْكُرُ أنَّ كَثرةَ الغَنائمِ وثِقْلَها كانتْ إحدَى عَوامِل تَقَهْقُرِ الجيشِ الفاتحِ، وهَزيمَتِهِ بعدَ استشهادِ قائدِهِ “عبدِ الرحمنِ الغافِقِيِّ”.

تَوَقَّفَ الفتحُ الإسلاميُّ في أعماقِ أوروبا بعدَ تِلْكَ المعركةِ. ويُعَلِّقُ “جيبون”، المُؤَرِّخُ الشهيرُ، على المعركةِ قائلاً: “لو كانَ العربُ قدِ انْتَصَروا في بواتيه، لأَصْبَحَتِ المساجدُ في باريسَ ولندنَ بَدَلاً مِنَ الكاتِدْرائِيّاتِ حالِيًا، ولكانَ القُرآنُ يُتْلَى في جامعةِ أُكسفورد وبَقيَّةِ الجامعاتِ هُناكَ”.

عِندما حَقَّقَ المسلمونَ بأفْعالِهِم ما جاءَ في كَلِماتِ شارل مارتل، غَربتْ شَمْسُ دَوْلَتِهِم في الأندَلُسِ بعدَ ثماني قرونٍ زاهيةٍ بالعَطاءِ الحضارِيِّ.

لم تَكُنْ مَقولَةُ شارل مارتل نُبوءَةً، بِقَدْرِ ما هِيَ قِراءَةً لسُنَنِ اللهِ في الأنْفُسِ والأُمَمِ؛ حين تُكَبِّلُ انْطِلاقَتَها لِتَحقيقِ أهدافِها العُلَى مَشاغِلُ الدُّنْيا، وتَتَهالَكُ على حُطامِها، وتُنْهِكُها الصِّراعاتُ.. تَتَحَقَّقُ هذه السُّنَنُ الإلَهيةُ في البَشَرِ جَميعًا، ويَفوتُهُمُ النَّصْرُ مَتَى أَخَلّوا بشُروطِهِ. هكذا حَدَثَ للمسلمينَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ حينَ تَهافَتوا على الغَنائمِ، قبلَ أنْ تُحْسَمَ المعركةُ.

يَفْقِدُ الخَيْرَ كُلُّ بَشَرٍ وكُلُّ أُمَّةٍ يُمَزِّقُها التَّنافُسُ في المَناصِبِ والمَكاسِبِ، حتَّى يَقْتَتِلَ الأشِقّاءَ في غَيْرِ ما رِسالَةٍ سامِيَةٍ ولا هَدَفٍ نَبيلٍ، فيَكونُ ذلكَ نَذيرَ شُؤْمٍ وهَزيمةٍ نفسيةٍ وحضاريةٍ يَتَجَرَّعُ آلامَها الجميعُ.

لعلَّ القُلوبَ تَهتدي في رَمضانَ، وتُلْهِمُها انْتِصاراتُهُ انْتِباهًا ورِعايةً لِمَواطِنِ القُوَّةِ والفَلاحِ، حتَّى تَعودَ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناسِ متَى حَقَّقَتْ شُروطَ النَّصْرِ الحَضارِيِّ واسْتَوْفَتْها.